الشيخ محمد رشيد رضا
458
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الأعظم في جملته ، والنظام البديع الذي قام هو به ؟ أكذبوا وقالوا ما قالوا ولم ينظروا في العالم الأكبر ، ولا في ذرات العالم الأصغر ، نظر تأمل واعتبار ، وتفكر واستدلال ، ولا فيما عسى أن يكون عليه الشأن من اقتراب أجلهم ، وقدومهم على اللّه تعالى بسوء عملهم ، فأجل الافراد مهما يطل فهو قصير ، ومهما يبعد أملهم فيه فهو في الحق الواقع قريب ، ولو نظروا في الملكوت أو في شيء ما منه ، واعتبروا بخلق اللّه تعالى إياه ، لاهتدوا بدلائله إلى تصديق الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى آله ، ولو نظروا في توقع قرب أجلهم لاحتاطوا لأنفسهم ورأوا أن من العقل والروية أن يقبلوا إنذاره ( ص ) لهم ، لأن خيريته لهم في الدنيا ظاهرة لم يكونوا ينكرونها ، وأما خيريته في الآخرة فهي أعظم إذا صدق ما يقرره من أمر البعث والجزاء وهو صدق وحق ، وإن صح إنكارهم له - وما هو بصحيح - فلا ضرر عليهم من الاحتياط له ، كما قال الشاعر : قال المنجم والطبيب كلاهما * لا تبعث الأموات قلت إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر * أو صح قولي فالخسار عليكما فالمجنون إذا من يترك ما فيه سعادة الدنيا باعترافه ، وسعادة الآخرة ولو على احتمال لا ضرر في تخلفه ، لا من يدعو إلى السعادتين ، أو إلى شيئين يجزمون بأن أحدهما نافع قطعا والآخر إما نافع وإما غير ضار . هذا ما دعاهم اليه صاحبهم بكتاب ربهم مؤيدا بالبراهين العقلية والعلمية ، لعلهم يعقلون ويعلمون ، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ وردت هذه الآية بنصها في آخر سورة المرسلات ( 77 ) التي أقيمت فيها الدلائل على البعث والجزاء وتهديد المكذبين بالويل والهلاك بعد تقرير كل نوع منها . وورد في الآية الخامسة من سورة الجاثية ( 45 ) بعد التذكير بآيات اللّه للمؤمنين وآياته لقوم يوقنون وآياته لقوم يعقلون قوله : ( تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ ؟ ) والحديث في الجميع كلام اللّه الذي هو القرآن ، يدل عليه هنا قوله تعالى في رسوله ( إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) وفي آية المرسلات القرينة في تهديد المكذبين له . وفي آية الجاثية افتتاح السورة بذكر الكتاب فيكون معناها فبأي حديث بعد كتاب